محمد أبو زهرة
1426
زهرة التفاسير
هذه الآية موصولة بما قبلها ؛ لأن موضوعهما واحد ، إذ الكلام في أثر غزوة أحد في نفوس المؤمنين ، ومداواة العزيز الحكيم لهذه النفوس بالعبر يسوقها ، وسننه تعالى يبينها ، وآياته في الآفاق والأنفس يكشفها ، وقد بين سبحانه وتعالى في الآية السابقة مداولة اللّه سبحانه في الأمم بالنصر والهزيمة ، وأن العاقبة للمتقين ، وفي هذه الآيات يبين أن الجماعات تصقل بالمحن ، والمجاهدين يتميزون عند وجود الشدائد ، وأنه لا تخلص النفوس وتطهر إلا بالاختبار الشديد ، ولذا قال تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ « أم » هنا إما أن تكون للإضراب ، ويكون المعنى : بل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ، والإضراب هنا معناه الانتقال من طريق للبيان إلى طريق آخر ، ففي الأول بين العبر والسنن بطريق التقرير ، وفي هذه الآية يبين سنة أخرى بطريق الاستفهام الإنكارى ، وفيه فضل تنبيه وفضل تقرير ، والمعنى : أن سنة اللّه تعالى في نعيمه أنه لا يستحقه على كماله إلا من بذل المهجة في حياته ، وصبر في السراء والضراء ، وهذا كقوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ . . . ( 214 ) [ البقرة ] . وكقوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) [ العنكبوت ] . ويصح أن تكون « أم » هنا للمعادلة ، أي تكون متصلة لا منقطعة ، ويكون المعنى على هذا : أعلمتم أن للّه تعالى سننا في خلقه وأنه يداول النصر بين الناس ،